عتبات دائرية تصعد إلى البصرة(*)

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
20/07/2012 06:00 AM
GMT



لقد توقعت قبل أن أرى تلك الصور عن مضايف أهل البصرة أنهم سيجعلون من مدينتهم مضيفاً كبيراً للجنود. هذه الصور ما كانت لتدل على ما توقعته وحسب بل على ما اعتقدت أنه دائمي في هذه المدينة من حياة المنازل القديمة التي عرفتها في الماضي أيضاً. لقد تداعت في رأسي صور عن طفولة بصرية كنت لاأني أعاند تذكاراتها الغائمة بذلك الإندفاع السريع والغفل لحياة موزعة بين نهارات مقضية سلفاً ونهارات آتية لا أسرار فيها. ولعلي كنت إزاء حيازة لا شخصية أبداً وشخصية دائماً لم أجرب أن أعرف معناها في حياتي أو لم أنتبه إليها إلا كضرب من مصادفات عارضة.
والآن إذ أحاول عدم العناد وأستسلم لتلك الحيازة، لن أخفي فرح أنني عرفت ما كنت أعرفه دائماً، البصرة حيث ولدت.

العتبة الأولى: كرم الإستمتاع
هذه المدينة التي سقط فيها رأسي قبل 43 عاماً أعرف عن ماضيها أكثر مما أعرف عن حاضرها. كنت دائماً أجد نفسي إزاء هذا الماضي، كما لو أنني لم أتغير قط. وفي المرات القليلة التي زرتها كانت تبدو لي كما كنت أتخيل دائماً أن تبدو فيه. كانت متحف إشارات غافية تستيقظ بمروري، تستدعيني وأستدعيها. كل بيت كنت أراه أخاله أو أوهم نفسي أنه بيت الطفولة – دوماً تلك الروازين والشبابيك والغرف المطلة على الشارع والشناشيل والعتبات وروائح دهن محروق وحموضة وبهار وأصوات نشيش. كان يكفي القليل من الجرأة لكي أدق أي باب، حتى يجد صاحب البيت فيّ ابنه الضال الذي عاد.
بيوت البصرة تفتح من أول طرقة باب، ومن أول لقاء يصبح الغريب في بيته، والضال على عتبات الهداية.
كنت أعرف هذا، وبرغم ذلك لم أكن أفهم تماماً كيف أن ميناءً تلتقي عنده مراكب الشرق والغرب ظل يحافظ على تقاليد الواحة الصحراوية التي تسقي وتطعم بكرم مضاعف حتى في الزمن التي اختفت فيه الواحات.
المدن تغير طباعها، وإذ لم تغيرها تخفيها أو تعطيها لوناً جديداً. لكن هذه المدينة أوقفت ساعتها وسط ظهيرة لافحة رطبة في زمن قديم جداً، لكن تماماً في اللحظة التي يجب على الجائع أن يأكل ويشبع ويكسل وينام. وهكذا كل يوم. إنها حتى إذا ما تغيرت تجد نفسها عائمة في أبخرتها ذات المذاق الحارق. إن كرمها يسيح مع الزمن، أبخرة لا تريم عن سماء المدينة، وحياة يومية تعاند الزمن وتطيح به عند العتبات.
ثمة كرم هنا لا يفسر بالعادات. العادات تأكل نفسها. إنها تخسر في لعبة الإغراء أمام الجديد وازاء المصاعب. ولا أيضاً لكلمة كرم، فهي جزء من قاموس الأخلاق، وثمة مصلحة تحوّم فوق هذا القاموس. سأختار إذن الآتي: إنه ضرب من اللامبالاة الجميلة إزاء الأشياء التي يعرف أهل البصرة أنها تروح وتجيء دون خسارة ولا ربح غير الإستمتاع البريء.
ليس من بصري يمكن أن يثار بنوبة فخر بسبب طريقته الخاصة في الكرم. إن ابن المدينة هذا لا يحتاج إلى الكلمات الكبيرة لكي يؤكد بداهة سلوكه التلقائي، وحين يلقى من ينوب عنه في هذه المهمة سيتظاهر بعدم الإستماع: إنها الكلمات والقصد منها اختزاله. سيبتسم فيما يفكر في داخله: إن الأمر يعنيهم وحدهم.
حقاً، الأشياء تروح وتجيء، وفي البصرة دوماً هناك من يروح ويجيء: البواخر، المراكب، البضائع، المد والجزر، الأشخاص، العادات، اللغات، اللهجات.
وداع ولقاء... كل حركة تستدير قليلاً لتترك تذكرات من التعرف والتعارف الذي يخلق من هذه الحركة المناوبة حكاية ليس القصد منها أن تكون حكيمة بل مسلية وسهلة قريبة من حكايات الأطفال.
يعرف البصري طرق السفر إلى الخارج كلها، لكن طريقته تجعل من كل طرق تعود دوماً – تصنع قوساً من حركة تبتعد ثم تعود، وهي تعود ليس مثلما يعود المرء من سفر، بل مثلما يريد الإحتماء من كل سفر. طرق مكشوفة في الرواح – حيث الدوافع صريحة ومناقبية ، وخفية في الرجوع - حيث الدوافع بسيطة وإنسانية: التعب والإستماع إلى النفس.  
إن من يذهب لا يحصل إلا على الرجوع، وحكاية الرجوع هي الحكاية الأكيدة في نهاية المطاف، والبصري يريد أن يحكي حكاية وحتى بانعدام شهود. فهي حكاية له... تسلياته.
من البصرة كان السندباد يروح ويجيء، إن تاجر البصرة هذا ليس من طينة روبنسن كروزو، فالأول كان مستمتعاً مرتين، مرة بهول سفرته ومرة بالذين حبسوا أنفاسهم أمامه. كان يكتفي بمغامراته الشجاعة التي يحكيها من دون أن يوجه رسالة ما، جاعلاً من المصادفة غير المعقولة والشجاعة الذكية التي تعادلها معياراً لحياة الغربة، أما الثاني فقد كان مبشراً ونذيراً.
ما من سندباد اليوم لكن البطولة الطيبة التي لا تريد شيئاً ليست هي ركوب الأهوال فقط، بل وركوب الحياة والمزاج معها ايضا، والبصري يفعل هذا باتقان.
لا عادات إذن ولا كرم بالمعنى العادي للكلمة، ففي أماكن تستقر فيها العادات من عهد آدم يجد المرء نفسه ازاء ضغط خفي يمارس على جسده وضميره. ثمة حركات زائدة واستعراض واستنزاف، وثمة توقع يجعل من المضيف والضيف يتفاهمان على المائدة من دون كلام أشبه بمسرحية معروفة.
وبمعيار الكرم الحديث هناك سخط خفي يرفع نفسه، بسبب الخجل، إلى مستوى الإسراف، أو يهبط به السخط إلى مستوى البخل.
لكن هنا في البصرة حيث ولدت، لن تكون ضيفاً، لن تكون دوراً من أدوار وظائفية شائخة تعظّم نفسها في نزيف مصاعب العصر هذا. انت ستأتي من دون دعوة وبلا اتفاق وبلا توقعات أو ترتيبات معدة سلفاً أو أعدت لأجل عينيك، يكفي أن تمر وتدق الباب بلا تقصد، حتى تكون جزءاً من البيت وأهله. لن يسألوك عن اسمك وأهدافك، لكنك ستنساق بعد أن عرفت أسماءهم إلى أن تتحدث عن قصة حياتك، وستشعر أنك تخلصت من حمل ثقيل فيما هم سيرفعونه بدلاً عنك.
لا أسرار غير هذا الإستمتاع البريء وحده، والأريحية الدافئة للناس الذين تحولوا إلى مستمعين إلى قصة الآخر. إن كل مقطع صغير من هذا اللقاء العارض في حكاياته والذي قد يدرّ دموعاً أو ضحكاً، يصلح لأن يكون بداية غامضة لذرية آدم المدهشة، لكن كم من مقطع يستوجب التوقف سيحيله البصري إلى موقف عابر في رواية أكبر تشتمل على الجميع : حصص موزعة في هذا النثار الحر لحياة كل شيء فيها متوقع.
إن البصري في هذه الحكاية يعترف بحرية الآخر الذي قبالته عارفاً أن الحياة الشخصية لا يمكن مخاصمتها بأهواء مستمع متدخل. إن الحكاية تمضي، المتكلم يتسلق بضع عتبات ويعبر إلى فناء الحياة الواسع: إنه حرية غامضة دائخة. المستمع يتسلق هو الآخر، بل كان قد تسلق وعبر.
أنا نفسي أعبر الآن متذكراً قول قريبة لي متوفاة – بصرية هي الأخرى، إنك تعبر من هنا إلى هناك - وأشارت إلى الأرض والسماء، ثم أضافت : الحياة استمتاع بهذا العبور.
إن براءة البصري غير قابلة للرد، فاستمتاعه قوة. إنه تعظيم للحياة ومعاندة بخلها والمناورة عليه.

العتبة الثانية: رياضيات الحصص
في هذا البستان ثمة رياضيات سأدعوها برياضيات البستاني الفكة، وحدتها القياسية هي الحصص لا الأعداد والمساحات. انها وحدة تتدبرها ربة بيت حين توزع القيمر والدبس على أفراد العائلة. هكذا حال البستان عندما يتم جنيه: أكوام من عثوق وسعف وجريد وكرب وجمار، أكوام من كل شيء تسافر سفراً عائلياً.
لا رياضيات الفراغ ولا التأمل الباطني، بل هذه العائلة التي تقتسم حصصها من الأشياء ومن الحياة. القسمة مجرد خط يُخط والظلم فيه سهو قابل للتصحيح. البصري يستسلم للحصص ، ويقسم نفسه إلى حصص. وفي الحياة، حيث الشخص هو نفسه وغير نفسه، يتبادل البصري الحصص تبعاً لمشروع عارض إنما مشترك، هكذا: الكل يغنون لكن واحداً هو المغني، الكل يرقصون لكن واحداً هو الراقص. يُكسر الحزن بدربكة مخيفة، بالنقر، بهز الجسد، بالإغماء من الضحك والبكاء منه، وفرح فرد واحد يذوب باستدعاء حزن مشترك.
وفيما يبدو أن مهارة أحدهم – وقد وسعوا الطريق إلى فرديتها المميزة – قد جنحت إلى حرية دخيلة، اكتسح غبار الجماعة الحلقة وغطى عليها دون احتجاج. وفيما يبدو أن الجماعة غرقت برتابة أفعالها اخترقها صوت أحدهم فأطاعوه. إنه تناوب أفعال وإجابات. أكاد أتخيل ممراً من دفوف متقابلة تتجاوب بينهما أقصى نغمة ناعمة وأقصى نغمة خشنة، الأرض والسماء ثم ممر الدفوف هذا، ليبدأ التنغيم المتلون ثم البكاء المفاجئ والمرح المفاجئ... وأسباب القلب لا يعرفها غير القلب.
هل جرب أحد الدخول إلى هذا الممر البصري؟ إن أقصى طيش لن يؤذي نملة لأن الكل سيندفعون إليه أو يرجعون منه. إن انقلاب الطبائع يدوم في استواء الكل بمهارات مصنوعة من حبكات قصص وتفاصيل حياة بيتية ومغامرات نهرية وحفلات عرس وطهور وكسلات وتأليف مقالب. إن من يمتلك خبرة أو مهارة استثنائية يذيعها، فحتى في المهنة يمتلك البصري حسّاً بالنهايات التي لا تدع له حيلة إلا بالتصريح بأسرارها، وكل مهنة تبور عند عطفة حياة، حتى ركوب الموج والرحلات القديمة المخيفة لبحارة توارثوا المهن عن آبائهم، إذ ما المخفي غير شجاعة تستدل في رحلة أو رحلتين على ممرات الطريق.
ثمة نساء عرفن أسرار الطرق النهرية وقيادة المركبات، أما الرجال الذين كانوا يعرفون فكانت تحدوهم قناعة بعدم اذاعتها، ليس لسبب مهني، بل لأن على المرء أن يمتلك حسّاً بالقناعة لكي لا يجازف بالآخرين ، أي أن لا يجازف بما لا يملك.
إن الحصص موزعة، وحتى إذا اختفت الحدود ما بينها، فإن مفارقة سوداء مضحكة مبكية تسترجها وتعيدها الى ما كانت عليه. 
ألم تسمع قصة التاجر الذي لا يخدع، خدع مرة فأقسم على عدم الخديعة وكشف اللعبة . اضحك واعبر من هنا . ابك واعبر من هنا. السؤال الحقيقي: ماذا أخذت وليس ما لم تأخذ، والأمر في نهاية المطاف يخص قصة أبطالها أولئك الذين يروونها ويستمعون إليها.
لكل سلطته، سلطة الكلام وسلطة الصمت، الأول يمضي والثاني يقوده الى أن يمضي. الصمت وحده يعرف سر المفاصل والفقرات ما بين تلك المعدّة كبهارات متذوق وتلك التي تصطنع حكمة.

العتبة الثالثة : الروائح (** )
ما من مدينة تمسك . إنها تنغل تحت طيّة زمن غفل تختفي فيه ، لتخرج فجأة من بئر عميقة أو تنزل من فجوة غيم . حين ذاك تعبث بنا في صور نشكلها في نفوسنا من دون أن تكون صورتها حقا. في أعمق أعماقنا ندرك أنها تظل هناك ، مستقلة او بنزاع مع ماهيتها والزمن ، خارج التوقع أو أنها تقوم بليّ خططنا لها. 
حين زرت البصرة أول مرة بعد أكثر من ثلاثة وثلاثين عاما من طفولة ركضت مسرعة الى العاصمة، وجدت كل مزق ذاكرتي تتراكب بعضها فوق بعض. كنت أشبه بكرات زجاجية ملونة تسقط من ميزاب : انسلات سريع حلو ، دحرجة متسارعة ، هوة صمت ، وقع سقوط ، ثم قفزات ودورانات وتوقف فزع . لقد توقف الزمن ، وتشكل المكان على الصورة التي تركته فيها ، إنما في فراغات وانقطاعات وتباعد وتقارب في المسافات والعلامات. حقيقة ما من شيء محدد قد تغير جذريا ، على الاقل في حدود مركز المدينة القديمة.  لعلي انتقيت ما كنت اردته من أهداف فقط ، أو لعلّ الاتجاهات الاصلية ظلت سائبة من دون عوائق والتفافات نتجت عن تغييرات تحديثية، من هنا بدت الشوارع معروفة نسبيا ، ووجدت في نفسي الثقة بأن أسير الى هدفي بعزم .
لكن ما كان هدفي بالضبط؟ أنا شكوكي ومتردد ولا يسعني أن أديم الثقة بالعالم وبنفسي أكثر من ساعة. كلما ازداد ثقة تمارس شكوكي اعادة توجيهي نحو التشتت وتوسيع البؤرة، فأرى الشوارع تميد تحت قدمي وتتسرب الى مكان مظلم فأتيه. بعض العلامات تكذب عليّ . عليّ ان اجرب علامات غير مرئية إذن لا تجعلني أتوقف حائرا بين اتجاه وآخر . كنت مستعدا نظرا لحالتي العاطفية أن اتحول الى حيوان متشمم، مستخدما أنفي مستدلا بالروائح على الطريق . 
لقد توسعت المدينة في الظاهر ، لكن من دون أن تغير قياساتها النسبية، بالاحرى كانت قد طفرت بضع سواق ليس الا . بيد أن الشوارع التي شقت حديثا أخرجت أحشاء ندية : روازين ذاهلة تحت الشمس ، غرف صغيرة ما زالت تحمل حموضة الدبس الندي والتمر المخزون، ديوانيات تقشّر صبغها ، خشب الشناشيل المسود والمشقق والغرف العلوية التي فقدت شبابيكها.
كانت البصرة القديمة التي عاندت التحديث قد أظهرت هياكلها جهارا . من له تذكارات هنا سيجمعها في ذاكرته ، بل يمكن إعادة رسمها بأحزانه وإضافتها الى خسائره . ستساعده في ذلك الروائح والأبخرة المقيمة التي لا تتغير. إن اللامرئي ، لكن المحسوس ، يهيج الاشكال ، ويعيدها الى الوجود المرئي.
هذه المدينة لا تستعجل نفسها . وإذا ما تحركت ، وطفرت ساقية أكبر ، ودفعت حيطان المنازل الى الداخل ، فإنها تظل ، بالرغم من ذلك ، غارقة في بحر روائحها القديمة. روائح هي مهيّجات أولية نشطة لا يحتاج المرء معها الى دليل خارجي ، بل عليه أن يترك جسده يعمل ليجتاز مناطق التيه وحده. بيد أن الامر يحتاج الى فقدان للثقل ، لصمت مركز ، لمخادعة الوعي الرقابي ، ثم الذوبان ، والتبخر ، والا فإن الذاكرة الانفية هي من الرهافة بحيث تتبدد تاركة ايانا في التياع وحيرة . إنها تهتاج لحظة، مثل العطاس، وفيما يهتز الجسد بعنف ويضطرب ، تمر لحظة غامضة ترى فيها أنك كنت قد مررت من هنا، وشممت ما شممت . إنها أمامك ، مدينتك ، لحظتك ، إمسك هنا ، عتبة ما بين النسيان والذاكرة ، إفتح الباب لكي تتسلل المدينة في ممرات مظلمة بين الأنف ونقطة ما في الرأس ، لحظة ، ربما تسمع فيها صوتا يناديك ، وسيتبلبل فكرك ، ستنخلع ، سترمى في جهنم . إنما أنت الباحث الذي يمتلك رأسا ، ستدفع كل شيء تسلمته أو لم تتسلمه بعد باتجاهه ، الى جبهتك على وجه التحديد ، فأنت في النهاية لا تستطيع ان تنقسم او تسقط ميتا من الانفعال والتيه .. هكذا تحصل على نصف رؤية ، نصف اتضاح ، من أجل أن تواصل سيرك وانت متماسك .
روائح وأبخرة وذهول إذن ، وهذا الطريق المعاش بمحايثة زمنية خارقة للعادة ، هذا الطريق نصف الخيالي الذي يسقط في الظل بينما نصفه الواقعي يتقشر جلده تحت الشمس الآن.
هل جرّب أحد أن يتذكر بوساطة الروائح؟ من جرّب فلابد من أن يقرّ بأن البالغ يتعلم من طفولته المسترجعة والخيالية، فما الطفولة غير روائح ! ( انني أدرك في عقلي التجاربي أن الطفولة هي من صنع شبابنا العاثر وتقدمنا في السن ، أي تماما عندما تصبح لنا روائح مميزة لا تحتمل . لكن ليس هذا أوان نزاع آخر) . 
لن يكون شخصيا تماما درس الروائح هذا في حالة البصرة ، فهو مفتوح لكل بصري. البصرة تقيم – في- الروائح ، روائح تتضوع من المياه والطين والملح والنخيل ، روائح اولية ، تنفذ الى الأنف ، وتتداعى في ممرات عريقة ، وتقترن بألف ذكرى وحدث ، وقد تستحيل الى مذاق في الفم .
أية مهيّجات في هذا البستان الكثيف من حرارة ورطوبة مالحة وتمر وخصّاف وسعف وكرب وطلع وسمك وخبز وبهار ودخان ودهون وطحالب. إن اختلاط هذه الروائح معا يستولي على الأنف والفم والمعدة والامعاء ، روائح تصعد الى الرأس، فتنحل الافكار الى حالات جسدية ، ومن ثم الى اصوات مهمهمة ، متقطعة ، مدوزنة تارة، مائعة تارة، كما لو أننا أزاء كتابة قصيدة محتبسة ، أو تذكر لحن قديم ، أصوات جهيرة ومكتومة، حموضة تمر تالف وعطر (البرحي) الخافت ، لتغطي لفحة من رائحة ليف أحرقته الشمس على هذا الاختلاط العجيب.
فوجئت بجذوع نخل تصلبت منبطحة على الارض . جذوع بدت ملساء تطرطق . وثمة مركب جانح ينتظر المدّ لتسمع منه أنّة حبل يشدّ ويرتخي بفعل الهزهزة ، وثمة جذع هوى في مستنقع وتشبع بالماء حتى لم يعد يقوى على العوم بعد – إن رائحته التي لا تشبه اي رائحة في الأرض تستولي على جسدك لتجرك معها الى خثرتها . ثم هذا الطين وذاك ، النقي الذي جاء توا من نهرين باسلين ، والقديم الذي استحال الى سائل أسود. إنه صمغ يطرطش ويبقبق وينثر روائح أزمنة النحت والحك والتلاطم والرجرجة والضغط والتبخر والبثالة.
من يولد هنا يشم كل هذا ، وإذا شاء سمع كل هذا، فمنافذ الحس تتنافذ!
مشيت مهتديا بالروائح ، مؤمنا أنني سأصل بوسطاتها الى بيت طفولتي . اجتزت اسواقا فلفتني روائح البهار والفلفل والجلود والسجاد والبخور والخضار والسمك وبخار الماء والطين المهروس والخشب المتداعي. انتهت الاسواق بفسحة ضوء أشبه بانفجار، وها أنا مغمور بالضوء فأشعر انني على الطريق اياه عندما كانت أمي تمسك بيدي . هناك نهر ، وحتما هناك جسر ، وأراه ، فأتوثق أنني عند حدود أعرفها ، حدود نزهاتي الاولى ، حيث تنتهي الجرأة وتبدأ المخاوف وتعليمات الابوين . من هنا عبرت مرة . انعطفت يمينا ،  البيت الاول على اليسار اعرفه ، كانت لي فيه شقيقتان بالرضاعة ، واحدة منهن ملأت شعري بالزيت وهي تضحك . انه الآن خربة ظهرت فيها غرفة اتذكرها ذات شبابيك واطئة. النهر على يميني وتذكرت رعشة ماء قديمة في يوم بارد مطير. 
خطوات أخرى وبدأ الطريق يضيق وبات أشبه بممر ضيق ما بين النهر والبيوت لينغلق تماما . لقد تهت . لا شيء . إما أن يكون البيت هنا أو لا يكون . وقفت في فم مدخل يفضي الى فضاء مربع الشكل تحيطه البيوت ، وبدا لي أن هذا التدبير الهندسي له وظيفة القبض على الافياء في أرض النار هذه . أدركني انعدام الحيلة ، لم يعد أنفي يعمل ، وعقلي الذي بدا مقفلا راح يحاول تأليف جمل تهكمية. كنت أحدس أنني سوف اترك المهمة . من يأسي قررت أن أسأل ، إذ ما يدريني أي أوهام حشيت رأسي بها ، فهناك دوما جسور ، وانعطافات الى اليمين والى اليسار، ثم هذه البيوت التي تنتمي الى طراز معماري منسوج من استعارات متنوعة.
سألت جنديا مسرعا : أين الخندق .. أم الدجاج؟
عرف من تساؤلي ، من نظري ، من بلبلة كانت تتراقص في وجهي ، أنني كنت أسأل عن نفسي. فقد كنت تماما في المكان الذي أسأل عنه .
رسم بيده دائرة مضيافة وهو يضحك : أنت في الخندق .. هل تريد شيئا آخر خويه؟     
تركت يدي تسقط يائسة . كنت أريد أن أقول إنني أنا .. وأحجمت . ضحك وعافني .
امرأة عجوز تبيع سكاكر ملونة كانت ترقب الموقف وسمعت سؤالي التائه . صاحت بي : تعال يا ولد .. ماذا تريد؟
اقتربت منها ، فابتسمت في عينيها ، وبدت كأنها تحضر لي مفاجأة . قلت : الخندق ، ام الدجاج ، ومدرسة..
نظرت الي بحزن وحنان . اخترقتني . تفحصت بحثي الغريب . غابت عني لحظات ثم قالت : أنت سهيل ام سمير؟
بعد كل هذه السنوات الطوال عرفتني . علاماتي الفارقة هي من القوة بحيث لا تخطئها العين ، فقد كنت دحدوحا صغيرا ظل دحدوحا. هذا ما قالته لي تحديدا.
سحبتني اليها ، عانقتني ، شمة رائحتي ، وشممت رائحتها ، كانت روائح صبغات عطرة ولبن حامض. قالت : هذا هو بيتكم – وأشرت امامها الى باب مفتوح يفضي الى سلّم ، تذكرت انني سقطت من على درجاته سقطة موجعة.
قالت : يا عيني ، يا عيني .. كنت تقف في ذلك الشباك العالي وتصيح على مكية.
سألتني عن عائلتي ، وبدا أنها كانت تعرف الكثير : الأموات والأحياء والمصائر .
.. وافترقنا..
مسافة للخروج
بعد أن كتبت هذه السطور أمضيت خفارة ما بين سماء سوداء مرصعة بنجوم موشوشة وأرض لم أكن اتبين عليها موضع قدمي بسبب الظلمة. كنت استدل على المسافات من عادات نظر وعلامات ثابتة كنت اصل اليها ، منحدرا وصاعدا كديدبان ، داعسا تحت قدمي حشائش طرية . كانت العلامات هي كومة حصو ناعم تعكس اضواء خافتة ونباتات متجمعة بدت مثل هوة سحيقة ، وما بينها سقيفة حديدية أعدت للاحتماء. فكرت بروح بلاغية : طباق مغمور بالليل تتوسطه نيّات جميلات.
كانت المسافة الحقيقية بيني والبصرة تتجاوز الف كيلومتر . إن ابن الجنوب صعد الى الاراضي المتموجة وبدأ يقارن بين المسافات التي عليه ان يقطعها على قدميه والمسافات التي اختزلتها صبوات عمره وذاكرته وخيالاته. تذكرت أنني في صباح قديم مارست حيلة أن اكون "هناك" لا "هنا". كان لهو الحياة الكبير آنذاك هو التمرين على عاطفة الاشتياق . هل كنت أحدس أنني مسبوق بهجران جذري؟ لم أدرك التبعات ما دمت البد في حجر دافئ. إنها تجارب في الشجاعة أيضا من دون حراك ولا أمجاد : تجربة في الإشارة الى الأشياء من على بعد والقبض عليها في مكانها من خلال السحر.
.. وايضا ، في البصرة ، في ذلك الصباح ، قست مسافة طلعاتي الاولى بالإشارة الى نخلتين التفّ جذعاهما بعناق مثير. كنت أكتفي بالإشارة من دون أن أصل اليهما. كنت مشبوبا الى "هناك" ، الى النخلتين، لكنني كنت حبيسا في "هنا".
من على بعد ، دائما من على بعد ، كأنك تمرّ مرورا من دون قصد أو هدف ، كأنك التفتّ وسلّمت على أحدهم ، كأنك تخفي نفسك عن موضوع شوقك.
هذه التجربة المبكرة للحب والشوق وأنا ماكث بلا حراك، طوّرت عندي حدسا مخيفا في التوقع وتلقي الكوارث، مع معرفة جد غامضة عن نفسي وعن العالم . كان سحر العالم ، بسبب شروط العيش التالية والتقدم في السن ينقلب الى مخاوف. كنت أنا نفسي انقلب الى ساحر متقاعد ، قنع بما تبقى ، وظل منهمكا بصنع مسافة كافية للحرية والفرار. على نحو ما كنت قد حولت المخاوف الى فضائل .
آه .. كنت أفضّل أن أمكث لابداً في الدفء يلفني ضجيج الماء وسعف النخيل مطوقا بروائح العالم كله، مصغيا الى أصوات تشبه النواح والنداءات العاجلة لبواخر تقلع في التو . كان شعر رأسي يقف وتنتابني رعدة من الاثارة شاعراً بلذة امتلاكي لكل هذا.
الآن ادرك ، بحزن ، أن من غير الممكن أن يلبد المرء في الدفء الى ما لانهاية. إن لغم التاريخ يزلزل الحياة وينفجر تحت أسرّتنا.
   __________________________________________
        (*)  نشر هذا النص في صحيفة الجمهورية البغدادية على عددين 12- 13 نيسان 1986. وكنت قد كتبته وأنا في واحد من قواطع الجيش الشعبي التي كانت تعسكر بين المحلبية غرب الموصل والحدود التركية، تحرس انبوب النفط ، بعد فرار وتخف من صبيان هذا الجيش دام ثلاث سنوات. إن لغم التاريخ الذي انهيت نصي به اعني به الحرب العبثية مع ايران  التي عانت منه البصرة اكثر من اية مدينة اخرى . انه لغم تفجر بي قبل هذا التاريخ بكثير. اعيد نشر النص في مجلة العالم البغدادية مؤخرا.    
(**)  هذا الجزء جرى اختزاله وتغيير بعض فقراته وحذفت فقرات منه عند النشر ، وهو اصلا نشر بعد يوم من نشر الجزء الاول . وما زلت امتلك خطاطة صعبة القراءة كتبتها بخط يدي ومنها عدت الى صياغته الاولى. في كل الاحوال كان يمكن حتى في عهد الدكتاتورية ان نتحدث عن انفسنا ونحافظ على ارواحنا من سم السلطة ، والتقيد بالحرية والشرف!